القصيدة البحرية
عَيْنَاكِ قَمَرَانِ مُسَافِـرَانْ
وَ يَدَايَ فِي عَتْمَةِ شَعْرِكِ اللـَّـيْـلِيِّ
وَ مَوْجِ فُسْتَانِكِ المُخْمَلِيِّ
قَارِبَانِ مُبْحِرَانْ...
تَسْأَلِينَنِي أَيْنَ المَطَافُ مُنْتَهٍ بِهِمَا
وَ هَلْ مِنْ مُنْتَهَى
لِطَرِيقٍ لَسْنَا نَعْرِفُ مُبْتَدَاهُ
سَالِكُوهُ سَطـَّرُوهُ ثُمَّ تَاهُوا
وَ أَنَا الآنَ مِثْلَكِ فِيهِ حَيْرَانْ...
هَلْ يَرْجُو طُلُوعَ الفَجْرِ
مَنِ اللـَّـيْلُ أَرْدَاهُ قَتِيلًا
بِقُبْلَـتَيْنِ غَادِرَتَيْنِ
غَائِرَتَيْنِ فِي شَفَتَيْنِ
لِظِلـَّـيْنِ مُتَرَاقِصَيْنِ عَلَى الجُدْرَانْ...
وَ هَلْ يَطْعَنُ الصَّبَاحُ ظَهْرَ مَنْ
بِالتَّرَاضِي أَوْقَفَا الزَّمَنْ
وَ نَحْنُ لِأَلْفِ لَيْلَةٍ وَ لَيْلَةٍ سَاهِرَانْ...
لَا تَسْأَلِينِي مَا السَّاعَةُ الآنَ
أَيَّ سَاعَةٍ تُرِيدِينَ
وَ العَالَمُ شَاهِدٌ كَيْفَ عِنَاقُنَا
أَوْقَفَ الأَرْضَ عَنِ الدَّوَرَانْ...
لَا تَسْأَلِينِي السَّاعَةَ
قَدْ تَخَشَّبَ الوَقْتُ عِنْدِي
وَ قَصَائِدِي صَارَتْ حَطَبًا
وَ أَقْلَامِي أَعْوَادَ ثِقَابٍ
تَنْفُثُ فِي شِعْرِيَ النِّيرَانْ
لَا تَسْأَلِينِي السَّاعَةَ
فَأَنَا عَلَى أَرْضِكِ أَغْلِي كَبُرْكَانٍ
وَ البُرْكَانُ إِذَا غَلَى
لَا يُسْأَلُ عَنْ سَاعَةِ الثَّوَرَانْ...
بَيْنَنَا أَلْفٌ مِنَ السِّنِينِ الضَّوْئِيَّــهْ
اِبْتَعِدِي مَا شِئْتِ عَنِّي
فَمَهْمَا ابْتَعَدْتِ
سَتَرُدِّكِ لِي قَوَانِينُ الجَاذِبِيَّهْ...
سَتَرْجِعِينَ تَدُورِينَ فِي فُلْكِي
كَذَا حَوْلَ الكَوَاكِبِ دَوْمًا تَدُورُ الأَقْمَارْ...
حَتَّى الكَوَاكِبُ إِنْ شَاكَسَتْ شُمُوسَهَا
لاَ تَشُقُّ عَصَا الطـَّاعَةِ
وَ لَا تُغَادِرُ المَدَارْ...
مَجَالِي الجَوِّيُّ مَفْتُوحٌ أَمَامَكِ
حَلِّقِي فَوْقِي مَا شِئْتِ
يَا مَرْحَبَا بِسِلاَحِ الإغْرَاءِ الشَّامِلِ
وَ يَا أَهْلًا وَ سَهْلَا بِحَالَةِ الحِصَارْ...
لاَ تُعَذِّبِينِي...
سَأُمْضِي عَلَى مَحْضَرِ اعْتِرَافٍ
فَأَنَا مُذْنِبٌ
إِنْ قُلْتُ عَنْكِ مِلْيُونَ قَصِيدَةٍ
وَ لَمْ أَكْتُبْ فِي عَيْنَيْكِ مَا يَكْفِي مِنْ أَشْعَارْ...
أَوْ كَانَ نَاظِرَايَ أَمْسَكَا عَنْهُمَا
فَاغْفِرِي لِي
هَا أَنَا عَلَى غَزَلٍ بِهِمَا قَرَّرْتُ الإِفْطَارْ...
سَأُمْضِي وَ أَهْرُبُ مِنْ غُرْفَةِ التَّحْقِيقِ
إِنْ كَانَتْ حِكَايَتُنَا مُسَلْسَلًا مِكْسِيكِيًّا
فَهُرُوبِي سَيَزِيدُ قَلِيلًا فِي التَّشْوِيقِ
آهٍ مَا أَرْوَعَ أَحْكَامَ الحُبِّ
تُطَارِدُ عَاشِقًا فِي حَالِ فِرَارْ...
كَمْ جَمِيلٌ أَنْ نَظَلُّ بَيْنَ كَرٍّ وَ فَرْ
لَا حَرْبَ بَيْنَنَا وَ لَا سَلَامْ
وَ لَا اتِّفَاقَاتُ هُدْنَةٍ وَ لَا اسْتِسْلَامْ
وَ لَا هَزِيمَةٌ وَ لَا انْتِصَارْ...
يَأْخُذُنِي شَعْرُكِ الدَّاجِي إِلَى مَسَاءٍ
لَا تَمُوتُ الشَّمْسُ فِيهِ عِنْدَ الأُفُقْ
بَلْ تَحْيَا مِنْ جَدِيدٍ...
وَ يَثُورُ الشَّفَقْ
غَيْرَةً مِنْ وَجْنَتَيْكِ
تَخْتَزِلَانِ الغُرُوبْ
وَ تَخْتَرِعَانِ نَوْعًا عَجِيبًا مِنَ الاحْمِرَارْ...
أَيَّ عَالَمٍ أُسْطُورِيٍّ هَذَا الَّذِي أَنْتِ
يَتَدَاخَلُ فِيهِ الشَّمَالُ وَ الجَنُوبْ
وَ اليَمِينُ وَ اليَسَارْ...
حَتَّى يَضِيعَ المُسَافِرُونْ
وَ يَحْتَارَ المُؤَرِّخُونْ
فِي تَحْدِيدِ مَكَانِ الضَّيَاعْ
وَ فِي تَوَارِيخِ الأَسْفَارْ...
لِمَاذَا تَرَكَتْنَا شَهْرَزَادُ
ضَائِعِينَ فِي مَتَاهَةِ الحِكَايَهْ
حَائِرِينَ مَنْ يَقُصُّ لِلْخَلِيفَةِ الرِّوَايَهْ
مَنْ يُسَطِّرُ البِدَايَةَ وَ النِّهَايَهْ
لِقِصَّةِ سِنْدِبَادٍ مِثْلِي
حَمَلَتْهُ أَمْوَاجُ عِشْقِكِ بَعِيدًا
إِلَى أَعْمَاقٍ مَا لَهَا قَرَارْ...
بِوِدِّي لَوِ الآنَ أُغَامِرُ فِيكِ
لَوِ إِلَى حَدَائِقِكِ المُعَلَّقَةِ يَحْمِلُنِي التَّيَّارْ
يَجْرِفُنِي إِلَى جُزِرٍ سَهَتْ عَنْهَا الخَرَائِطُ
وِدْيَانُ الشَّوْقِ تَشُقُّهَا
إِلَى حَيْثُ تَنْتَهِي اليَابِسَةُ
وَ قِبْلَةُ العُشَّاقِ تَغِيبُ عَنِ الأَنْظَارْ...
رِيَاحُكِ يَا صَدِيقَتِي عَاتِيَةٌ جِدًّا
هَلْ يَا تُرَى تَصْمُدُ قَلْعَتِي
فِي وَجْهِ الإعْصَارْ...
قَاوَمْتُ كَثِيرًا
صَارَعْتُ
مَانَعْتُ...
أَعْلَنْتِ عَلَيَّ نَفْسَكِ سُلْطَانَةً
وَ أَخِيرًا سُلْطَانَكِ بَايَعْتُ...
إِنْ كَانَ حُبُّكِ سِجْنًا فَاحْبِسِينِي فِيهِ
فَمَا تَحْبِسُ السُّجُونُ عِنْدَنَا إلاَّ الأَحْرَارْ...
مَرْفُوعٌ شِرَاعِي فَاعْصِفِي بِي
دَوِّرِي سَفِينَتِي حَيْثُ شِئْتِ أَنْ تُدَارْ...
اسْتَبِدِّي بِي مَا أَحْلَاهُ طُغْيَانًا
لِوَقْعِ سِيَاطِهِ يَرْقُصُ الثُّوَّارْ...
أَهْلًا بِكِ فِي كَوْنِي
تَفَضَّلِي
هَا نَحْنُ فِي نُقْطَةِ الصِّفْرِ
حَيْثُ مِنْ لَا شَيْءَ يُدَوِّي الإنْفِجَارْ...
لِتَبْدَأْ حِكَايَةُ خَلْقٍ جَدِيدٍ
وَ لْتَنْفُخِي فِي نَفـَسِي رَوْحَكِ
مِنْ شِفَاهٍ وَرْدِيَّةِ الأَزْهَارْ...
سَنُدَوِّخُ الكَوْنَ بِأُسْطُورَةٍ
عَنْ جَنَّةٍ مُتَرَامِيَةِ الأَطْرَافِ
مُثْقَلَةٌ أَشْجَارُهَا عِشْقًا
وَ مُحَرَّمٌ فِيهَا قَطْفُ الثِّمَارْ...
عَنْ سُحُبٍ تَحْمِلُ فِي ثَنَايَاهَا قُبُلًا
تَمُرُّ عَلَى بِلَادِ العِرْبَانِ شَامِتَةً
وَ لَا تَنْزِلُ مِنْهَا الأَمْطَارْ...
عَنْ مُدُنٍ بِاسْمِ اللهِ تُشَرِّعُ لِلْحُزْنِ
وَ لِلدُّمُوعِ...
تُقَطَّعُ فِيهَا الأَجْنِحَةُ
وَ عَلىَ رُؤُوسِهَا تَتَسَاقَطُ الأَطْيَارْ...
كَمْ كَئِيبٌ مَصِيرُنَا
وَ كَمْ رَتِيبٌ مَسِيرُنَا
فِي نَفَقٍ نَمْشِي فِيهِ
نَمْشِي...
وَ يَطُولُ الظَّلاَمُ
وَ لَا يَأْتِي النَّهَارْ...
إِنْ هَذِهِ الأُسْطُورَةُ الَّتِي نَبْنِي
فَأَنَا رَاحِلٌ
لَا تَقُولِي لِي مُتَبَاكِيَةٌ
يَا سَيِّدِي لَا تَذْهَبْ
وَ تُرَدِّدِي خَلْفِي
مَنْ لِي بَعْدَكَ
رَجُلٌ فِيهِ أَرْغَبْ...
صَدْرٌ لَيْلًا آوِي إِلَيْهِ
لَوْ أَتْعَبْ
وَ أَنَامِلُ فِي خُصْلَاتِ شَعْرِي
كَمَا عَلَى قِيثَارٍ تَلْعَبْ
تَرُوحُ وَ تَأتِي بَيْنَ الأَوْتَارْ...
وَ فِي عَيْنَيْهِ نُجُومٌ لَا تُحْصَى
وَ عَلَى شُطْآنِهِ تَلْفِظُنِي البِحَارْ...
إِنْ هَذِه الأُسْطُورَةُ الَّتِي نَبْنِي
فَوَدَاعًا...
لَا تَسْأَلِينِي أَيْنَ أَنَا رَاحِلْ
إِنَّ الغَارِقَ فِي عَرْضِ البَحْرِ
لَا يَعْرِفُ أَيْنَ تَقُودُهُ أَمْوَاجُهْ...
لَا تَسْأَلينِي هَلْ أَعُودُ يَوْمًا
إِنَّ البَحَّارَ إِذَا أَبْحَرْ
لَا يَعْرِفُ هَلْ يَرْجِعُ أَدْرَاجَهْ...
لَا تَسْأَلِينِي عَنْ طَرِيقِي
إِنَّ المُسَافِرَ لَا يَرَى السَّبِيلَ لَيْلًا
متى ابْتَلَعَ الظَّلاَمُ نُورَ سِرَاجِهْ...
لَا تَسْأَلِينِي مَتَى أَعُودْ
إِنَّ النَّبِيَّ إِذَا أَسْرَى
لَا يَعْرِفُ سَاعَةَ مِعْرَاجِهْ...
مالك الشرق


0 commentaires:
Enregistrer un commentaire
Abonnement Publier les commentaires [Atom]
<< Accueil